السيد محمد حسين الطهراني

64

معرفة المعاد

الله عزّ وجلّ واحد وموحَّد ، وجهة وجه الله موجودة قائمة دائمة ، ولا منافاة بينها وبين وحدة الخالق تعالى ، بل هي مؤيّدة لها . فما يتنافى مع الكون موحّداً ( لا مع التوحيد والوحدة ) : الأفكار الشهويّة المتدنّسة بالمعاصي والآمال ، التي تفرّق بين الناس وبين الله ولا تدع الناس يرون نور الله متجلّياً في الموجودات قاطبة ، ولا تدعهم يدركون ذلك التجلّي . فإذا أصلحت النفس فإنّ جميع هذه المسائل ستحلّ ، وسيزول التشاؤم والنظرة السيّئة ، وسترتبط سلسلة العلل وأسباب عالم الخلق بالله الخالق ، وسيشرق نور الله تعالى في العوالم كلّها ، فيشاهد المؤمن نور الله ويُدركه فيها ، وهذا - لا غيره - هو المقصود بالقيامة . لأنّ القيامة عالم المعاد ، والمعاد يعني عودة الإنسان ورجوعه إلى الله تعالى : كَمَا بَدَأكُمْ تَعُودُونَ . « 1 » كَمَا بَدَأنَآ أوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ . « 2 » وإذا افتُرض أنّ الإنسان رحل عن الدنيا ولم يصبح جانب وجه الله مشهوداً له ، فإنّه لم يَعُد إلى الله تعالى . القيامة هي محلّ إدراك توحيد الله لا محلّ التوحيد وحينئذٍ فإنّ الله سيكون قد خلق الإنسان وجزاه على أعماله ، مع أنّ جزاء الأعمال لا يعني معاداً ، إذ إنّ معني المعاد هو العود إلى الله ، ويلزم من العود إلى الله انكشاف جميع الحقائق التي قد قام الإنسان بفعل ظواهرها ، لا أن يكون ذلك معنى المعاد نفسه . ومن هنا فإنّ إدراك قدرة الله تعالى وعظمته وقهّاريّته ووحدانيّته

--> ( 1 ) - المقطع الأخير من الآية 29 ، من السورة 7 : الأعراف . ( 2 ) - مقطع من الآية 104 ، من السورة 21 : الأنبياء .